صديق الحسيني القنوجي البخاري

517

فتح البيان في مقاصد القرآن

أبيت . قالوا : أربعين سنة . قال : أبيت ، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ، ومنه يركب الخلق يوم القيامة » « 1 » . وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي حيث قال : وَنُفِخَ تنبيها على تحقق وقوعه كما ذكره أهل البيان ، وجعلوا هذه الآية مثالا له ، والصور بإسكان الواو : هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل كما وردت بذلك السنة وإطلاق هذه الاسم على القرن معروف في لغة العرب وقد مضى هذا مستوفى في سورة الأنعام ، وقال قتادة : الصور جمع صورة أي نفخ في الصور الأرواح . فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ أي القبور جمع جدث وهو القبر وقرىء الأجداف بالفاء وهي لغة واللغة الفصيحة بالثاء المثلثة . إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ أي يسرعون ويعدون ويخرجون منها أحياء بسرعة بطريق الجبر والقهر ، لا بطريق الاختيار ، فالنسل والنسلان الإسراع في السير يقال : نسل الذئب ينسل كضرب يضرب ، ويقال : ينسل بالضم أيضا وهو الإسراع في المشي . قالُوا عند بعثهم من القبور بالنفخة . يا وَيْلَنا نادوا ويلهم كأنهم قالوا له : احضر فهذا أوان حضورك ، وهو مصدر لا فعل له من لفظه ، بل من معناه وهو هلك ، وهؤلاء القائلون هم الكفار . قال ابن الأنباري : الوقف على يا ويلنا وقف حسن ، ثم يبتدئ الكلام بقوله : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا أي مضجعنا ظنوا لاختلاط عقولهم بما شاهدوا من الهول وما داخلهم من الفزع أنهم كانوا نياما . قرىء : من بعثنا على الاستفهام وبكسر الميم على أنها حرف جر وفي قراءة أبيّ : من أهبنا من هب من نومه إذا انتبه ، وقيل : إنهم يقولون ذلك إذا عاينوا جهنم . وقال أبو صالح : إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وعن أبيّ بن كعب في الآية قال : « ينامون قبل البعث نومة » ، وعن مجاهد : أنهم يستريحون من العذاب قبيل النفخة الثانية ويذوقون طعم النوم ، انتهى . فعليه يكون قولهم من مرقدنا حقيقة لأن المرقد حقيقة هو مكان النوم وقيل : إن اللّه يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون . فإذا بعثوا في الثانية عاينوا أهوال القيامة ودعوا بالويل . هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ جواب عليهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين المتقين وقيل : هو من كلام الكفرة يجيب به بعضهم على بعض . قال بالأول الفراء

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 39 ، باب 3 ، ومسلم في الفتن حديث 141 .